ابن أبي الحديد
81
شرح نهج البلاغة
في دياركم عمله ، ويبلغ بتخلفكم عن جهاده أمله ، وصرخ بهم الشيطان إلى باطله فأجابوه وندبكم الرحمن إلى حقه فخالفتموه ، وهذه البهائم تناضل عن ذمارها ، وهذه الطير تموت حمية دون أوكارها ، بلا كتاب أنزل عليها ، ولا رسول أرسل إليها . وأنتم أهل العقول والأفهام ، وأهل الشرائع والاحكام تندون من عدوكم نديد الإبل ، وتدرعون له مدارع العجز والفشل ، وأنتم والله أولى بالغزو إليهم ، وأحرى بالمغار عليهم لأنكم أمناء الله على كتابه ، والمصدقون بعقابه وثوابه ، خصكم الله بالنجدة والبأس ، وجعلكم خير أمه أخرجت للناس ، فأين حمية الايمان ؟ وأين بصيرة الإيقان ؟ وأين الاشفاق من لهب النيران ؟ وأين الثقة بضمان الرحمن ؟ فقد قال الله عز وجل في القرآن : " بلى إن تصبروا وتتقوا " ( 1 ) ، فاشترط عليكم التقوى والصبر ، وضمن لكم المعونة والنصر ، أفتتهمونه في ضمانه ؟ أم تشكون في عدله وإحسانه ؟ فسابقوا رحمكم الله إلى الجهاد بقلوب نقية ، ونفوس أبية ، وأعمال رضية ، ووجوه مضية ، وخذوا بعزائم التشمير ، واكشفوا عن رءوسكم عار التقصير ، وهبوا نفوسكم لمن هو أملك بها منكم ، ولا تركنوا إلى الجزع فإنه لا يدفع الموت عنكم ، " لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " ( 2 ) . فالجهاد الجهاد أيها الموقنون ، والظفر الظفر أيها الصابرون ! والجنة الجنة أيها الراغبون ! والنار النار أيها الراهبون ! فإن الجهاد أثبت قواعد الايمان ، وأوسع أبواب الرضوان ، وأرفع درجات الجنان ، وإن من ناصح الله لبين منزلتين مرغوب فيهما ، مجمع على تفضيلهما : أما السعادة بالظفر في العاجل ، وأما الفوز بالشهادة في الآجل ، وأكره المنزلتين إليكم أعظمهما نعمة
--> . ( 1 ) سورة آل عمران 125 . ( 2 ) سورة آل عمران .